أحمد بن محمد القسطلاني

410

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

وفسرته عائشة ، أو من بعدها ، بقوله ( شق الباب ) بفتح الشين المعجمة والخفض ، على البدلية أي : الموضع الذي ينظر منه . وفي تجويز الكرماني كسر الشين نظر ، لأنه يصير معناه الناحية ، وليست بمرادة هنا ، كما نبه عليه ابن التين ( فأتاه ) عليه الصلاة والسلام ( رجل ) لم يقف الحافظ على اسمه ( فقال : إن نساء جعفر ) امرأته ، أسماء بنت عميس الخثعمية ، ومن حضر عندها من النساء ، من أقارب جعفر وأقاربها ، ومن في معناهن ، وليس لجعفر امرأة غير أسماء كما ذكره العلماء بالأخبار - ( وذكر بكاءهن ) - حال من المستتر في : فقال ، وحذف خبر إن من القول المحكي لدلالة الحال عليه ، أي : يبكين عليه برفع الصوت والنياحة ، أو : ينحن . ولو كان مجرّد بكاء لم ينه عنه لأنه رحمة ( فأمره ) عليه الصلاة والسلام ( أن ينهاهنّ ) عن فعلهن ( فذهب ) فنهاهن فلم يطعنه لكونه لم يسند النهي للرسول ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ( ثم أتاه ) أي : أتى الرجل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المرة ( الثانية ) فقال : إنهن ( لم يطعنه ) حكاية قول الرجل أي : نهيتهن فلم يطعنني ( فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( انهض فانههن ) ، وفي نسخة ، وهي التي في اليونينية ليس إلا : انههن ، بدل انهض ، فذهب فنهاهن ، فلم يطعنه ، لحملهن ذلك على أنه من قبل نفس الرجل ( فأتاه ) أي : أتى الرجل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المرة ( الثالثة قال : والله غلبننا يا رسول الله ) بلفظ جمع المؤنثة الغائبة ، وللكشميهني كما في الفرع وأصله : والله لقد ، بزيادة لقد . وقال ابن حجر ، وللكشميهني : غلبتنا بلفظ المفردة المؤنثة الغائبة . قالت عمرة ( فزعمت ) عائشة ( أنه ) عليه الصلاة والسلام ( قال ) للرجل ، لما لم ينتهين : ( فاحث ) بضم المثلثة ، أمر من : حثا يحثو ، وبكسرها أيضًا من : حثى يحثي ( في أفواههن التراب ) ليسد محل النوح ، فلا يتمكن منه . أو المراد به المبالغة في الزجر ، قالت عائشة ( فقلت ) للرجل ( أرغم الله أنفك ) بالراء والغين المعجمة ، أي : ألصقه بالرغام ، وهو التراب ، إهانة وذلاً . ودعت عليه من جنس ما أمر أن يفعله بالنسوة ، لفهمها من قرائن الحال أنه أحرج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بكثرة تردده إليه في ذلك ( لم تفعل ما أمرك ) به ( رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي : من نهيهن ، وإن كان نهاهن لأنه لم يترتب على فعله الامتثال ، فكأنه لم يفعله ، أو لم يفعل الحثو بالتراب ( ولم تترك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من العناء ) بفتح العين المهملة والنون والمد أي : المشقّة والتعب . قال النووي : معناه أنك قاصر عما أمرت به ، ولم تخبره عليه الصلاة والسلام بأنك قاصر حتى يرسل غيرك ، ويستريح من العناء . وقول ابن حجر لفظة لم يعبر بها عن الماضي وقولها له ذلك ، وقع قبل أن يتوجه ، فمن أين علمت أنه لم يفعل ، فالظاهر أنها قامت عندها قرينة بأنه لم يفعل ، فعبرت عنه بلفظ الماضي مبالغة في نفي ذلك عنه ، وفي الرواية الآتية ، بعد أربعة أبواب : فوالله ما أنت بفاعل ، وكذا لمسلم وغيره ، فظهر أنه من تصرف الرواة . تعقبه العيني ، فقال : لا يقال لفظة : لم ، يعبر بها عن الماضي ، وإنما يقال : لم ، حرف جزم لنفي المضارع وقلبه ماضيًا . وهذا هو الذي قاله أهل العربية وقوله : فعبرت عنه بلفظ الماضي ، ليس كذلك ، لأنه غير ماض ، بل هو مضارع . ولكن صار معناه معنى الماضي يدخول لم عليه . وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الجنائز ، والمغازي ، ومسلم في : الجنائز ، وكذا أبو داود ، والنسائي . 1300 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ : " قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهْرًا حِينَ قُتِلَ الْقُرَّاءُ ؛ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ " . وبه قال ( حدّثنا عمرو بن علي ) بفتح العين فيهما ، الفلاس الصيرفي ، قال : ( حدّثنا محمد بن الفضيل ) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة مصغرًا ، ابن غزوان ، بفتح المعجمة وسكون الزاي ، الضبي مولاهم الكوفي ، قال : ( حدّثنا عاصم الأحول ، عن أنس ) هو : ابن مالك ( رضي الله عنه قال ) : ( قنت رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، شهرًا حين قتل القراء ) وكانوا ينزلون الصفة يتعلمون القرآن ، وهم عمار المسجد ، وليوث اللاحم ، بعثهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى أهل نجد ليقرؤوا عليهم القرآن ، ويدعوهم إلى الإسلام ، فلما نزلوا ببئر معونة قصدهم عامر بن الطفيل في أحياء من سليم : رعل وذكوان وعصية ، فقاتلهم فقتلوا أكثرهم ، وذلك في السنة الرابعة من الهجرة ( فما رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حزن حزنًا قط ، أشد